التبرع بأعضاء الإنسان حسمه الطب والشرع ولم يحسمه المجتمع

كتبهاعبدالله الحجاجي ، في 7 سبتمبر 2007 الساعة: 22:03 م

أولاً - تحديد حقيقة المشكلة:
قال أحد الأطباء أن مسألة نقل الأعضاء يتنوع الرأي فيها حسب العضو أو الجزء المطلوب نقله، فهناك من أجزاء الجسم الإنساني ما يقبل التجدد والتغيير، والخارجي من ذلك مثل الشعر والأظافر، والداخلي مثل الدم وبعض النخاع فيما يقال، وأهم هذه المواد في موضوع النقل الطبي هو الدم. وهو أمر يمارس التبرع به ويمارس نقله طبيًا للمرضى المحتاجين في الحوادث وفي الجراحات الكبرى، ويمارس نقله من الشباب الأصحاء القادرين على قدر الاحتياج، كل ذلك يمارس من عشرات السنين، وما زلنا نذكر طوابير المتبرعين بالدم من الشباب وجمهور المواطنين في أيام الحروب. ولم تنل هذه الممارسات اعتراضًا لا في إطار الدين وفقه الأحكام الشرعية ولا في إطار القانون الوضعي وأحكامه.
الحالة الأولى:
وهناك من أجزاء الجسم البشري أعضاء متعددة أو ذات مثيل في الجسم ذاته، ويمكن أن يكفي بعضها احتياج الجسم الحي دون البعض الآخر، وأهم مثل هذه الأعضاء هو الكلية فقد وهب الله سبحانه وتعالى كل واحد من الناس اثنتين منها، ويقول الأطباء وفقًا لما يجري بين الناس: إن الجسم البشري تكفيه واحدة منها، أو أقل من الواحدة، وإن نقل الكلى من جسم شخص حي صحيح إلى جسم شخص آخر حي مريض هو أمر مارسه الأطباء في حالات الاحتياج، بالنقل من متبرعين إلى أقارب مرضى، كما مورس النقل أحيانًا من غير قرابة بين المنقول منه والمنقول إليه، بتراض من طرفين ظاهره التبرع وباطنه التجارة غير الثابتة. وإن مجمل الجدل الذي ثار في هذا الموضوع لم يتعلق بأمر النقل، وإنما كان يتعلق بأمر البيع وكيفية سد ذرائع بيع الأعضاء. وقصر النقل على حالات قيام قرابة النسب القريبة بين المنقول منه والمنقول إليه وكيفية التثبت من ذلك ومنع التحايل والالتفاف عليه.
الحالية الثانية:
وهناك من أجزاء الجسم ما ليس له مثل، وليس له بديل موجود أو متجدد، ولكنه ينزع من الجسم بعد موت صاحبه بساعات عديدة هي الساعات المتاحة قبيل أن يوارى الجسم التراب، ومثال ذلك قرنية العين، وهي إن كانت أثارت جدلاً إلا أن الجدل بشأنها انحصر في موضوع مدى لزوم توصية المتوفى بها أو مدى لزوم رضاء أهله بعد موته عن نزعها.
الحالة الثالثة:
وبعد هذه الحالات كلها تبقى حالة استجدت حديثًا بحكم تطور عالم الطب والمهارات الطبية والحرفية، وتطور الصناعات الطبية إلى ما نرى ونشاهد الآن، ولنأخذ مثالاً على ذلك بقضية نقل عضو هام مثل القلب. فقد أمكن بذلك نقل القلوب من أجسام أشخاص إلى أجسام أشخاص آخرين، ولكن المنقول منه لا حياة له في دنيانا ولا حياة لغيره في هذه الدنيا بغير قلب، فإن نزعنا قلبه وهو حي فقد قتلناه، إلا أن يكون جسمه ميتًا أصلاً، فلا ينزع قلب بغير إماتة لصاحبه إلا إذا كان قد مات من قبل النزع. كل ذلك لا يختلف عليه أحد ولا حرج في تقريره ولا في إجرائه.
ولكن المشكلة ترد من أن القلب يفسد وتمتنع الاستفادة منه بنقله إلى جسم المريض المحتاج إليه إذا كان توقف فعلاً عن الحركة قبل أن ينزع. ويبدو أن علم الطب ومهارة الأطباء، وفنون الممارسة وكفاءة الصناعات الطبية، يبدو أن بعض ذلك أو كله لم يوفر إمكانية للإفساح الزمني الذي يتيح نزع القلب بعد التوقف التام، ويتيح الاستفادة من هذا القلب وإعادة تشغيله في جسم المريض المنقول إليه.
خصوصية الحالة الأخيرة:
والموضوع الذي يثور الآن لا يتعلق فقط بالنقل من جسم شخص إلى جسم شخص آخر، ولا يتعلق في الأساس بنقل ما يتجدد من أشياء الجسم الآدمي الحي، ولا يكاد يتعلق بأعضاء الجسم ذات المثيل أو الأعضاء المتعددة التي يمكن لجسم الآدمي أن يكتفي بأحدهما أو ببعضها لتكفيه حاجة حياته ونشاطه. وهي أيضا موضوع لا يعطيه أهميته القصوى إمكان النزع للعضو غير المتجدد غير المتعدد غير ذي المثيل الكافي. متى كان هذا العضو يمكن نزعه في الوقت الزمني المتاح عادة بين حصول توقف الأعضاء والأجهزة كلها وبين دفن الجثة.
إن ما يعطي الموضوع أهميته الخاصة القصوى هو هذه السرعة السريعة التي يتعين أن ينزع بها العضو المراد نقله بعد الموت مباشرة أو بعبارة أدق عند الموت، أو بعبارة أكثر دقة في سكرات الموت.
فلا يستطيع أحد أن يقول: إنه يمكن نزع العضو غير ذي المثيل وغير المتجدد حال حياة المنزوع منه؛ لأن ذلك يعني إجازة القتل الصريح لإنسان حي. ولا يجدي في ذلك، القول بأن المنزوع منه كان مريضًا مشرفًا على الموت؛ لأن الطب يعرف المرض وأسبابه وطرائق علاجه وأساليب التعامل مع كل حالة مرضية بما هو متاح، ولكنه لا يعرف كم من الزمن يعيش المريض، ولأن كل القيم الحضارية والإنسانية والدينية والوضعية والطبية لا تجيز إنهاء حياة إنسان بزعم أنه لا فائدة منها أو بدعوى أن غيره أحق بالحياة منه أو بحجة أن حياته أوشكت على الانتهاء أو حتى بموجب القول بأن الموت يريحه من عذاب آلام تفضي حتمًا إلى هلاكه ولا أمل في شفائه منها أو البرء.
ونحن نعرف أنه إذا تعددت الأسباب التي تؤدي إلى وفاة الشخص، فإن السبب الأكثر حسمًا هو الذي يعتبر السبب المميت، وكذلك السبب المباشر هو السبب المميت، فمثلا الشخص الذي تجرى له جراحة خطيرة، أو يكون في النزع الأخير فإن من يصوب إليه رصاصة تكون الرصاصة هي القاتلة، ومن يضربه بسكين وينزف الدم من جرحه حتى يموت، فإن طعنة السكين هي القاتلة، حتى إن كان إهمال وقف النزيف سببًا في عدم الإسعاف. من ثم فإن المريض المشرف على الهلاك بسبب مرض عضال، إن نزع عضو منه قبيل الوفاة يكون هذا النزع هو السبب المميت بصرف النظر عن خطورة المرض وحرج الحالة قبل نزع العضو. هذا من حيث تعدد الأسباب وتشاركها في إنتاج قبل نزع العضو. هذا من حيث تعدد الأسباب وتشاركها في إنتاج الواقعة المجرمة أو المحرمة.
أما من حيث المسلك البشري العام بالمعايير الأخلاقية والفكرية فنحن نعلم أن الحي أولى من الميت، يعلم بذلك الجميع، ويُسلّمون بأن أحدًا لا يعرف ولا يستطيع أن يعرف حدًا لعمر أي من الناس، والمتدينون يعتبرون ذلك من علم الغيب من قدر الله، واللادينيون من ذوي العلم الطبيعي وحده يرون في التعدد الهائل غير المحصور للأسباب الطبيعية ما لا يمكن معه التنبؤ بهذا الأمر، ومن لم يمت بالمرض مات بغيره.
ومن وجهة أخرى، فإن أحدًا لا يتجاسر بالقول بأن وجهًا لأفضلية فرد من الناس على فرد يتيح له الحق في أن يعيش على حساب فرد آخر، وهذا أمر مسلم من قبل أن توضع قوانين حقوق الإنسان، وهو لا يجد مرجعيته في مبدأ المساواة بين البشر، ولكنه يجدها في أن الأعمار غير معروفة ولا وارد تقريرها، ولا يمكن الموازنة بين حياة وحياة لا من حيث القدرة وهو غير معروف، ولا من حيث النوع وهو غير ممكن الحساب.
المشكل إذًا هو إمكان نزع العضو من جسم الآدمي بعد موته حتى لا يكون في النزع قتلا له، وأن يكون النزع في لحظة زمنية تُمكِّن من الاستفادة من العضو المنزوع، ولا يكون ذلك في حالة نقل القلب إلا إذا كان القلب نابضًا عند النزع، ولكن القلب النابض دليل على الحياة، والحياة ضد الموت، كما يقال في قواميس اللغة والضدية في المنطق هي ألا يجتمع أمران ولا يرتفعان، فلا موت إن وجدت الحياة ولا حياة إن وجد الموت، بمعنى أنه كيف يمكن القول بجواز نزع العضو نابضًا أي متحركًا مع القول بموت الجسم والجسم لا يعتبر ميتًا إلا بموت أعضائه، والكل يبقى حيًا ما بقى جزؤه حيًا “فإذا وجبت جنوبها” قالها القرآن الكريم في الحيوان، فما بالنا بالإنسان؟
ثانياً – قواعد ضابطة شرعية وقانونية:
الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في هذه القضية ليسا طرفي نقيض. لكن هذا لا يمنع من قيام خلاف واضح بينهما، من خلال المحورين التاليين:
أ – قاعدة الضرورة المبيحة للإجازة:
أن الضروريات تبيح المحظورات، وما حُرِّم على الإنسان أكله أو شربه أو تعاطيه بأية صورة يصح أن يتناوله وأن يتعاطاه في حالة الضرورة، كالخمر أو لحم الخنزير أو غير ذلك، والعبادات لا تُؤدى أو تؤدى قضاء حال عدم القدرة على أدائها في وقتها، والشريعة الإسلامية والقانون الوضعي متفقان في هذه المسألة ولكن كل الاختلاف يرد في تقدير حد الضرورة المبيحة لفعل المحظور، فالضرورة هي توقي الهلاك أو الخوف من الهلاك، ، بمعنى أنه يكفي بأن يكون الإنسان في وضع يتصور فيه أنه مشرف على الهلاك ولم يكن كذلك فعلاً، و الضرورة تقدر بقدرها، ونقل الأعضاء تدرك حالة الضرورة وحدودها بشأنه، بواسطة خبرة فنية متخصصة لها تقديرها واحترامها والثقة بأمانتها في العموم.
والأمر كذلك في القانون الوضعي، فإن جرح جسم شخص آدمي محظور معاقب عليه في القانون الوضعي، إلا أن يكون ذلك بحقه وفي إطار ما تأذن به الخبرة الطبية المتخصصة في حال الضرورة الملجئة، والضرورة في القانون الوضعي شأنها في ذلك شأنها في الشريعة الإسلامية، تبيح المحظور ومفهوم الدفاع الشرعي المسقط للعقوبة أو المخفف لها في قانون العقوبات يندرج تحت مفهوم الضرورة.
ب:- إشكاليات تعريف مفهوم الموت:
نقل الأعضاء مسألة يتفرع عنها قضايا مهمة يبنى عليها التشخيص الكامل لهذه القضية التي ما زالت حتى يومنا هذا في سجال وحوار بين رجال الفقه الشرعي والفقه القانوني ، ومن المسائل المتفرعة عن قضية نقل الأعضاء مسألة الموت ودلالاته وتحديده وتعريفه، حتى يبنى على اساس ذلك الحكم بنقل الأعضاء من هذا الشخص الذي حكم بوفاته ،والموت ليس واقعة طبية فقط، يقررها الطبيب وحده ، رغم أن مفهوم الموت طبياً يلتقي مع مفهومه الشرعي بأنه مفارقة الروح للجسد والتوقف عن العمل ، ولكن في حاضرنا هناك من يعتبر موت الدماغ موتاً وبالتالي يمكن نقل اعضاء الجسد ، وهناك من يعتبر موت القلب موتاً ، ولكن الشريعة الإسلامية لا تعتبر الإنسان ميتاً إلا بعد أن تموت كافة حواسه حتى ولو كانت تعمل بالتنفس الإصطناعي وأجهزة الإنعاش ، وفي نظر القانون عبر عن الموت بانتهاء شخصية كانت معتبرة، وضياع ذمة مالية، وانتهاء قدرة على التملك وعلى التعامل بيعًا وشراء، وكذلك هو خلو منصب وفراغ من عمل، وانقطاع القدرة على أداء تعهدات وانتهاء وإرادة وانتقال ملك، ونوزعه بالميراث على أفراد آخرين.
ثالثاً :- لا بد من تشريع ينظم مسألة نقل الأعضاء :
في سنة 1995 أعدت جامعة مصرية مشروع قانون لنقل صمامات القلب وأرسلته وعرض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع فأصدرت فيه إفتاء وأبدت ملاحظات عديدة تعلقت بهذا الموضوع، منها أن نقل الأعضاء جائز حال الضرورة، ولكن يتعين أن يتضمن التشريع الذي ينظمه نصًا يعرف الموت، واقترحت أن يكون هذا النص هو: الموت هو التوقف الذاتي لجميع مظاهر الحياة وأجهزة الجسم وأعضائه بالمدى الزمني الذي تقرره الخبرة الفنية، وأن يشترط لإجازة النقل حال الضرورة إذن الشخص أو إجازته مع امتناع البيع والتعامل؛ لأن جسم الإنسان خارج عن دائرة التعامل، سواء في الشريعة الإسلامية أو القانون الوضعي، وأنه يجوز صدور هذا الإذن من أقارب الميت الأقربين في دائرة الآباء والأبناء والإخوة والأزواج، وإن هذا ليس ميراثًا؛ لأن الجسم لا يورث، وأن إذن الشخص في جسمه أو جسم قريبه إذن يمكن الرجوع فيه؛ لأنه لا إلزام قانونيًا على أحد بالتبرع بعضو جسم آدمي، وأنه لا يصح نزع الأعضاء من أجسام الموتى مجهولي الشخصية؛ لأن مجهول الشخصية معصوم الجسم، ولا تستباح أعضاؤه لمجرد أن آخرين يجهلون شخصيته وشملت الفتوى أحكامًا أخرى ، وهذا الحظر يشمل الدولة إذ لا يجوز اعتبارعا صاحبة ولاية وتصرف في هذه المسألة ، وتكمن ضرورة وجود تشريع ناظم لهذه المسألة في تفادي الحكم على على شخص بالموت بمجرد توقف قلبه أو عقله عن العمل ، من جهة وبالتالي التصرف بجسمه وأعضائه بشكل يمس من كرامة الإنسان وجعلة سعلة من السلع تباع وتشترى ، كما ان القانون يحدد ويقنن نقل الأعضاء بما يتضمنه من ضوابط وشروط على أطراف العلاقة جميعاً ، ويقطع الطريق على التجار وأصحاب الضمائر الميتة ، .
رابعاً :- فلسطين ومشكلة التبرع بالأعضاء :
إن الظروف الخاصة التي مر ويمر بها الشعب الفلسطيني ، وأشكال المعاناة التي يعيشها ، جعلته يبحث عن كل جديد فيه محاولة لتخفيف هذه المعاناة ، وتقليل آثار القهر والإجرام الصهيوني ، ولما كان عدد الجرحي يزداد يوماً بعد يوم ، ومن بينهم عدد كبير ممن خلفت اصابته عجزاً دائماً ، بسبب خطورة الإصابات التي تعرضوا لها من قبل قوات البطش الصهيوني ، التي سعت وتسعى دوماً الى احداث عاهات وتشوهات في اجساد من لم يختارهم الله شهداء ، في سبيل اضعاف ارادة الشعب وكسر صموده ، وإذا كان عدد الشهداء قد جاوز الثلاثة آلاف فإن عدد الجرحي تجاوز الخمسة والآربعين ألفاً وإن عدد المعوقين منهم يتجاوز الخمسة عشر ألفاً ، نسبة كبيرة منهم يعنون من اعاقات دائمة وخطيرة خاصة حالات بتر الأطراف واستئصال الأعضاء ، ولما كانت عمليات نقل الأعضاء من الناحية العلمية ممكنة وناجحة ، ذهب الفلسطينيون الى التفكير بمشروع يهدف الى الإستفادة من أعضاء الشهداء والمتبرعين لصالح المرضى والمحتاجين لمثل هذه الأعضاء ، وبالفعل فقد تنادى عدد من المهندسين والأطباء والمحامين والأكادميين ، وقرروا تأسيس جمعية أهلية تسعى الى تنمية الوعي لدى المواطن الفلسطيني من أجل بناء الإنسان نفسه ، وحملت هذه الجمعية من حيث المبدأ اسم الأكادمية الفلسطينية لبناء الإنسان ومقرها جنين وهي في طور الترخيص ،
وفي نشرتها الصحفية التي نشرت بتاريخ 13-9-2004 طالبت “الأكاديمية الفلسطينية لبناء الإنسان” ذوي الشهداء الفلسطينيين التبرع بأعضاء أبنائهم، لإنقاذ حياة المرضى من أبناء الشعب الفلسطيني، لا سيما أن غالبية الشهداء هم من جيل الشباب الذين تعتبر أعضاؤهم مكتملة الحيوية، ولكن ولكون مثل هذه المسألة فيها ما يقال من الناحية الشرعية فإنه وحتى نقف على حقيقة هذا الأمر لا بد أن نتطرق الى رأي الشريعة الإسلامية في قضية التبرع بالأعضاء لصالح المرضى المحتاجين .
سادساً:- رأي الشرع الإسلامي في قضية التبرع بالأعضاء :
لقد انقسم الفقهاء في هذه المسألة الى رأيين رئيسيين كما يلي :
الرأي الأول لا يجيز : والحجة تنحصر بعدم جواز تصرف الإنسان بجسمة أو أي جزء منه أو جسم أو أي جزء من جسم غيره لأنه تصرف بما لا يملك حق التصرف به ، ،والشريعة الإسلامية كرمت جسد الإنسان حيا وميتا ونهت عن ابتذاله وتشويهه أو الاعتداء عليه بأي لون من ألوان الاعتداء . ومن مظاهر هذا التكريم : الأمر بتغسيله ، وتكفينه والصلاة عليه ، ودفنه ..
 أنه بعد الانتهاء
rولقد كان من هدي الرسول  من الغزو لا يترك جسد إنسان ملقى على الأرض سواء أكان لمسلم أم لغير مسلم ، وقد حدث  بدفن المشركين ، كما أمر بدفن شهداء المسلمين ، وقال في حديثهr
في غزوة بدر أن أمر  الشريف : ” كسر عظم الميت ككسره حيا ” أي أن عقوبة من يعتدي على جسد الميت كعقوبة من يعتدي على جسد الحي .
ولذا قال بعض العلماء بحرمة التبرع بشي من أجزاء الجسد لا في حال الحياة ولا في حال الوفاة ، لأن الإنسان لا يملك التصرف في جسده لا في حال حياته ولا بعد الوفاة وكذلك ورثته أو غيرهم لا يملكون ذلك ، وإن الذي يملك التصرف في جسد الإنسان وذاته هو خالقه عز وجل .
قال فضيلة الشيخ الشعراوي : أما ما يقال على جواز التبرع بأجزاء الجسد في حالة الوفاة فإننا نقول : إذا كان يحرم على الإنسان وهو حي فإنه من باب أولى أن يكون حراما إذا مات ، ذلك أن الإنسان إذا كان لا يملك جسده وهو حي فمن باب أولى لا يملكه ورثته وهو ميت .

الرأي الثاني : يجيز وفي هذا تفصيل :
فأصحاب هذا الرأي أجازوا قيام أهل الشهداء بالتبرع بأعضاء أبنائهم، حيث قال د. رجب أبو مليح مشرف صفحة الفتوى بـ”إسلام أون لاين.نت”: ” من الفقهاء المحدثين بجواز التبرع بالأعضاء سواء من الحي حال حياته، أو بعد وفاته إذا أوصى هو بذلك أو أجاز ورثته، وذلك استلهامًا من روح الآية الكريمة التي يقول الله تعالى فيها: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}” وأضاف: “إنما يمنع الورثة من التبرع إذا أوصى الميت في حياته بمنع ذلك، فهذا من حقه، ويجب إنفاذ وصيته فيما لا معصية فيه” واتفق معه في ذلك الدكتورعكرمة صبري -مفتي القدس والديار الفلسطينية- عندما قال : أنه يجوز التبرع بجميع الأعضاء باستثناء الأعضاء التناسلية، ويجوز التبرع قبل الوفاة بأعضاء مكررة كالكلية، حيث توجد كليتان ويمكن للإنسان أن يعيش بواحدة منها، وربط الجواز بعدم البيع لأن الإنسان مكرم عند الله، ولا يخضع للبيع أو الشراء” وحول جواز تبرع أولي أمر الشهداء بأعضاء ذويهم الشهداء قال صبري: لا مانع، ويجوز هذا لولي أمره وأقرب الناس إليه، حتى وإن لم يوصِ الشهيد بالتبرع يجوز لولي أمره فعل ذلك. وأضاف: “بخصوص دعوة الأكاديمية.. فهي مجازة شرعًا؛ لأن الميت (المتبرع) سواء كان شهيدًا أو غير ذلك يكسب ثوابًا وينفع مريضًا يمكن أن ينقذ حياته”. إلا أن الدكتور سالم سلامة -عميد كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة- رأى حرمة التبرع بأعضاء الشهداء من قبل أهليهم ما لم يكن هناك وصية من الشهيد قبل استشهاده؛ لأن هذا التصرف بالأعضاء يأتي من باب حرمة تصرف الغير فيما لا يملكون. وأضاف: أنه يجب على الشهيد أن يكتب في وصية واضحة نيته التبرع بأعضائه قبل استشهاده، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن هذه القضية تبقى محل خلاف بين العلماء.
التبرع بالأعضاء يشبه التبرع بالدم فكلاهما حزء من جسم الإنسان المتبرع والجواز مقيد
أما الدكتور يوسف القرضاوي فيقول أن العلماء قرروا أنه لا مانع من زراعة الأعضاء، و يحدث ذلك عن طريق أمرين، أن يتبرع الحي أو يتبرع الإنسان بجسم إذا أصيب في حادث من الحوادث،وقد يقول قائل: كيف يتبرع الإنسان بعضو من جسمه، خاصة وأن الجسم ملك لله تعالى، وهل يتصرف الإنسان فيه؟فنقول: كل شيء ملك الله (لله ما في السموات وما في الأرض)، (ولله من في السموات ومن في الأرض)، (ولله ملك السموات والأرض) المال أليس مال الله، الله تعالى يقول (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)، (ومما رزقناهم ينفقون)، (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) فالمال فضل الله ورزق الله، ومع هذا نحن نزكي بالمال نتبرع بالمال، نتصدق بالمال، صدقة جارية أو صدقة غير جارية، أو صدقة مفروضة أو صدقة مندوبة، فلماذا لا نتبرع بجزء من الجسم، ألم يجز الناس من غير نكير بإباحة التبرع بالدم، الدم جزء من الجسم، ولا يحيا الجسم إلا بهذا الدم، ومع هذا يجوز للإنسان أن يتبرع بدمه، كما أن المرأة تتبرع بلبنها فقد ترضع امرأة طفلاً لامرأة أخرى، وهذا اللبن جزء منها، فأن يتبرع الإنسان بجزء منه هذا جائز بشروط طبعاً وضوابط. ولا يوجد دليل على التحريم، والمحرِّم هو الذي عليه الدليل، إنما المُبيح ليس عليه دليل، إنما الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا كان يجوز للإنسان أن يتبرع بماله فهو يتبرع بشيء من جسمه،كالدم واللبن وهو أثمن وأغلى، إذا كان في ذلك منفعة للغير وليس فيه مضرة لي وهذا شرط ضروري، فلم يجز أحد أن يتبرع الإنسان بالأعضاء الوحيدة للإنسان، كالقلب أو الكبد ولا يجوز أن يتبرع بشيء يشوهه، فلا يجوز أن يتبرع بيده فيقطع يده لذلك، إنما يتبرع بالأشياء الداخلية التي يمكن للإنسان أن يعيش ببعضها، من فضل الله أن للإنسان كليتان، وهو يستطيع أن يعيش بثلث كلية، فعندما يتبرع بواحدة فتبقى له كلية كاملة مع أنه يستطيع أن يعيش بثلثها، طبعاً لا يقبل التبرع إلا من واحد يُفحص فحصاً جيداً، ويعرف أن صحته جيدة، إن كليته التي سيتبرع بها لن تضره، لأنه من المقرر شرعاً أن الضرر يزال بقدر الإمكان والضرر لا يزال بالضرر، لا يزال الضرر بضرر مثله أو ضرر أكبر منه، فلا يجوز أن أنفع غيري وأضر نفسي، أو أزيل ضرره بضرري أو بضرر أكبر من ضرري، إذا نفعت غيري ولن أضر نفسي فلا حرج في ذلك إن شاء الله.
كما أن العلماء الذين أجازوا هذا قالوا بشرط أن يترجح أن المريض سينتفع من هذا العضو، طبعاً اليقين لا يعلمه إلا الله، فهذا غيب (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) إنما يكون عندنا حسب سنن الله، حسب النظر في الأسباب والمسببات، أن المريض سينتفع بهذا الأمر ويعيش مدة معقولة، إنما إذا كان يموت فنقوم بنقل عضو من شخص إليه فهذا لا يجوز، لابد أن يكون حسب السنن أن صحته جيدة، ولا ينقصه إلا هذا الأمر، وإذا أعطي له فسوف ينتفع به، هذا حسب الظاهر لنا، نحن نحكم بالظاهر والله يتولى سره، ونحن نعلم أن الأحكام العملية أحكام الفقه تبنى على غالب الظن ولا تبنى على اليقين، فنحن نحكم بشهادة اثنين وقد يكونا واهمين أو أحدهما، أو يكونا كاذبين أو أحدهما، فهذا احتمال قائم لكن الظن الغالب أنهما صادقان، وحسب تزكية الناس لهما وحسب ظاهر أمرها فنحن نحكم بغالب الظن. وإذ قلنا بجواز التبرع من الحي، بعضو من بدنه، فهل هو جواز مطلق أو مقيد؟والجواب: أنه جواز مقيد، فلا يجوز له أن يتبرع بما يعود عليه بالضرر أو على أحد له حق عليه لازم. ومن هنا لا يجوز أن يتبرع بعضو وحيد في الجسم كالقلب أو الكبد مثلاً، لأنه لا يعيش بدونه، ولا يجوز له أن يزيل ضرر غيره بضرر نفسه، فالقاعدة الشرعية التي تقول: الضرر يزال، تقيدها قاعدة أخرى تقول: الضرر لا يزال بالضرر، وفسروها بأنه لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه.
ولهذا لا يجوز التبرع بالأعضاء الظاهرة في الجسم مثل العين واليد والرجل، لأنه هنا يزيل ضرر غيره بإضرار مؤكد لنفسه، لما وراء ذلك من تعطيل للمنفعة وتشويه للصورة.
وقد أجاز مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في مكّة المكرّمة في دورته الثامنة المنعقدة بين 19 – 28 يناير 1985 (أخذ عضو من جسم إنسان حي، وزرعه في جسم إنسان آخر مضطرّ إليه، لإنقاذ حياته أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية). واعتبر هذا العمل مشروعاً وحميداً إذا توافرت فيه شرائط ، كما أجاز من باب أولى أخذ العضو من إنسان ميّت لإنقاذ إنسان آخر مضطرّ إليه، لكنّه اشترط أن يكون المأخوذ منه مكلّفاً، وقد أذن بذلك حالة حياته.
أما السيد محمد طنطاوي مفتي مصر :
فيقول :
أن التبرع بعضو أو بجزء من إنسان حي لإنسان آخر مثله جائز بشروط من أهمها :

أن يصرح طبيب مسلم ثقة بأن نقل هذا العضو من شخص إلى آخر لا يترتب عليه ضرر بليغ بالشخص المتبرع ، وإنما يترتب عليه حياة الشخص المتبرع له أو إنقاذه من مرض عضال .وإنما قلنا لا يترتب على النقل ضرر بليغ لأن كل عضو من جسد الإنسان خلقه الله تعالى لفائدة ، فنقله لابد أن يترتب عليه ضياع تلك الفائدة ، والتي تتفاوت نسبتها من عضو إلى أخر .

وقال فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر : فإذا جزم طبيب مسلم ذو خبرة ، أو غير مسلم ـ كما هو مذهب الإمام مالك ـ بأن شق أي جزء من جسم الإنسان الحي بإذنه وأخذ عضو منه أو بعضه لنقله إلى جسم إنسان حي آخر لعلاجه إذا جزم أن هذا لا يضر بالمأخوذ منه أصلا ـ إذ الضرر لا يزال بالضرر ـ ويفيد المنقول إليه ، جاز هذا شرعا بشرط أن لا يكون الجزء المنقول على سبيل البيع أو بمقابل لأن بيع الإنسان الحر أو بعضه باطل شرعا ثم قال فضيلته : ” إنما أجزنا التبرع بهذه الشروط لأن للمتبرع نوع ولاية على ذاته في نطاق الآيتين الكريمتين : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) و ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) .

ونحن نميل إلى هذا الرأي ، ولكن في أضيق الحدود وفي أشد الضرورات إعمالا لبعض القواعد الشرعية التي تقول باختيار أهون الشرين وبأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ، ولأن التبرع وقلما يصدر عن الإنسان إلا في أشد حالات الضرورة وقلما يكون إلا لعزيز على هذا الإنسان المتبرع ، بل إن بعض العلماء يميل إلى جواز دفع عوض ما لشخص ما في حالة ما إذا ترتب على عدم نقل عضو إلى الشخص المريض هلاك هذا الشخص أو ضرره ضررا بليغا ولا يوجد من يتبرع له لا من أقاربه ولا من غيرهم ..

أما حكم نقل شيء من أعضاء الميت إلى الحي :
يرى فريق من العلماء :
أنه يجوز نقل عضو من أعضاء الميت إلى جسم إنسان حي إذا كان هذا النقل يؤدي إلى منفعة الإنسان المنقول إليه هذا العضو ، منفعة ضرورية لا يوجد بديل لها وأن يحكم بذلك الطبيب المتخصص الثقة ، ولكن ينبغي أن يستأذن الورثة في ذلك . وإن لم يكن للمتوفي ورثة أخذ الإذن من النيابة العامة .. ، إلا أن هذا الإذن لا يكون ملزما لأهل الاختصاص وهم الأطباء الثقات إذا رأوا أن حياة هذا الإنسان الحي متوقفة على شيء من أعضاء هذا الإنسان الميت بناء على القاعدة الفقهية المشهورة وهي أن : ” الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ” .
والضرر الأشد هنا يتمثل في بقاء الإنسان الحي عرضة للمرض الشديد وللهلاك المتوقع ، والضرر الأخف هنا يتمثل في أخذ شيء من أجزاء الميت لعلاج الإنسان الحي ، وبناء أيضا على ما قاله جمهور الفقهاء من جواز شق بطن الأم التي هي في حالة الاحتضار أو الموت لاستخراج جنين حي أو ترجي حياته ، ومن جواز شق بطن الآدمي بعد وفاته لاستخراج مال ابتلعه في حال حياته .
وإذا كنا نجيز هذا النقل من إنسان حي في الضرورات والقيود السابق ذكرها مع وجود الضرر الذي يلحق الإنسان الحي المنقول منه ، فمن باب أولى نجيزه في الحالات السابق ذكرها فيما يتعلق بإنسان ميت ، لا يترتب على انتقال عضو منه ضرر ما ،وذلك بعد أخذ الإذن من ذويه ، ولكن الميت المجهول الهوية لا يجوز نقل أي عضو منه .
رأي مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18-23 جمادي الآخرة 1408 هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988 .قرر ما يلي :
من حيث التعريف والتقسيم :
أولاً : يقصد هنا بالعضو أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين.سواء أكان متصلاً به، أم انفصل عنه.
ثانياً : الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه. على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعاً.
ثالثاً : تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية :
1- نقل العضو من حي.
2- نقل العضو من ميت.
3- النقل من الأجنّة.
الصورة الأولى : وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية :
أ- نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة والدم ونحوها.
وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة وما لا تتوقف عليه.
أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فردياً، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين.
وأما ما لا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم ومنه ما لا يقوم بها. ومنه ما يتجدد تلقائياً كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.
الصورة الثانية : وهي نقل العضو من ميت :
ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين :
الحالة الأولى : موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائياً لا رجعة فيه طبياً.
الحالة الثانية : توقف القلب والتنفس توقفاً تاماً لا رجعة فيه طبياً.
فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة.
الصورة الثالثة : وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات :
حالة الأجنة التي تسقط تلقائياً.
حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.
حالة “اللقائح المستنبتة خارج الرحم”. من حيث الأحكام الشرعية :
أولاً : يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً.
ثانياً : يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.
ثالثاً : تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية. رابعاً : يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.
خامساً: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.
سادساً: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة وليّ المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.
سابعاً : وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال مال.
أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريماً، فمحل اجتهاد ونظر.
ثامناً : كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية.
أولاً : يقصد هنا بالعضو أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين.سواء أكان متصلاً به، أم انفصل عنه.
وللطب كلمة
يقول الدكتور يوسف المسلماني استشاري ورئيس قسم زراعة الكلى ورئيس لجنة زراعة الأعضاء بمؤسسة حمد الطبية إن أول جراحة لزراعة الكلى بقطر تمت في عام 1986 حين تبرعت إحدى المواطنات القطريات بكليتها لأختها المريضة بالفشل الكلوي،وهذا شجع وقتها مؤسسة حمد الطبية على تكوين مجموعة من الاطباء وهيئة التمريض لمتابعة هذه الجراحة، وتجهيز المريضة لزرع الكلى، ويضيف الدكتور المسلماني أنه تم حتى الآن إجراء 82 زراعة كلى بالدوحة والغالبية لمرضى قطريين ، وهي تنجح بشكل يماثل نتائج الزراعة في المراكز العالمية المتطورة في هذا المجال، وقد ساعد ذلك النجاح على إصدار التشريعات الخاصة بتنظيم مسألة التبرع بالاعضاء والتي تستند إلى الجانبين الفقهي والشرعي، حيث صدر القانون رقم 21 لسنة 1997 بشأن تنظيم نقل وزراعة الأعضاء البشرية، وفي السابع من يوليو 2001 صدر قرار سعادة وزير الصحة العامة بإعادة تشكيل اللجنة الفنية لتنفيذ ودعم برامج نقل وزراعة الاعضاء البشرية. ويشير الدكتور المسلماني إلى أن اللجنة المذكورة قامت بتنفيذ العديد من الأنشطة التي تصب في إطار التوعية الجماهيرية، وحث الأفراد على التبرع بالأعضاء الممكنة أثناء الحياة، وفي حالات الموت الدماغي وذلك لتخفيف المعاناة عن مرضى الفشل الكلوي بصفة خاصة، والذين هم أكبر فئات المرضى تضرراً من ندرة الاعضاء البشرية اللازمة لزرعها وإنقاذ حياتهم، ويفصل الدكتور يوسف المسلماني الأنشطة التي قامت بها اللجنة الفنية لتنفيذ ودعم برامج نقل وزراعة الاعضاء البشرية، منذ إعادة تشكيلها قائلاً إنها تشمل إقامة محاضرات توعية لطلاب المراكز الصيفية، وزيارات ميدانية إلى المدارس الثانوية للبنين، وندوة للأطباء وموظفي القطاع الصحي لتعريفهم بمشكلة زراعة الأعضاء، وحثهم على التبرع بها وكيفية التصرف مع حالات الوفاة الدماغية وتجهيزها لنقل الاعضاء منها، كما نظمت دورة تعريفية مماثلة لـ 25 داعية من دعاة الجاليات المسلمة غير المتحدثين بالعربية، وذلك بمركز قطر للتعريف بالاسلام، كما شاركت اللجنة في عدة فعاليات صحية واجتماعية لتحقيق نفس الهدف ومنها مهرجان الطفل في اللاند مارك ،حملة من أجل انقاذ حياة، ويوم التمريض العالمي،واليوم المفتوح لصحة المرأة،كما اصدرت اللجنة فيلما تسجيليا قصيراً يعبر عن مأساة مريض ىغسل الكلى، وأخيراً تبنت اللجنة الحملة الوطنية للتبرع بالاعضاء تحت شعار (مازلنا في انتظاركم)التي دشنها سعادة وزير الصحة العامة، يوم 22فبراير ،2003 وتستمر عاماً كاملاً. ويرى الدكتور المسلماني ان اللجنة نجحت إلى حد كبير من خلال هذه الأنشطة في توصيل فكرة التبرع بالاعضاء وجوانب هذه المسألة والدواعي الطبية والانسانية لها لأكبر عدد ممكن من الجمهور والافراد في المجتمع،ولكن الخطوة التالية التي تسعى لها اللجنة من خلال حملتها الوطنية للتبرع بالاعضاء هي حث الجمهور على التفاعل الايجابي مع جهودها وذلك بملء استمارات التبرع باعضائهم عقب الوفاة لصالح المرضى، ويشير الدكتورالمسلماني أيضاً إلى إمكانية دعم هذه الجهود بالتبرعات المالية لحساب لجنة زراعة الاعضاء والتي بدأت عام ،1988 حيث توجه أموال اللجنة لدعم جهود التوعية الاجتماعية في هذا المجال.
ومن جانبه يؤكد الدكتور عبدالعزيز الخليفي إستشاري جراحة القلب بمؤسسة حمد الطبية الضرورة الملحة لزرع الاعضاء لفئات من المرضى لاتفيد معهم الادوية، وتعجز عن مساعدتهم أنواع الجراحات المختلفة، وذلك كحالات هبوط وظائف الكلى حيث أن غسل الكلى لفترة معينة يضر هؤلاء المرضى، ويبقى الافضل والمطلوب لانقاذ هذه الحالات هو زراعة الكلى.ويشخص الدكتور الخليفي الاشكاليات التي تعطل إجراء زرع الاعضاء لمرضى مؤسسة حمد الطبية وأهمها قلة الوعي الاجتماعي لدى الافراد حيث يحجمون عن التوصية بالاستفادة من أعضاء الجسد بعد الوفاة سواء كانت عادية أو وفاة دماغية، فيقع عليهم العبء الاكبر في توفير الاعضاء البشرية اللازمة للمرضى، حيث نلحظ رفض هؤلاء الاهالي الاستفادة من أعضاء ذويهم المتوفين دماغياً رغم استناد هذا الاجراء إلى فتاوى شرعية تبيحه وتحلله. وحول الاسس الطبية لزراعة الاعضاء ومدى نجاحها يقول الدكتور عبدالعزيز الخليفي أن أطباء العالم أمكنهم حتى الآن زرع عدة أعضاء لاجساد المرضى وهي: الكلى والرئتان والقرنية والكبد والقلب والامعاء الدقيقة، والعظام ، والانسجة، والبنكرياس وان كان لايزال في طور التجارب العلمية. ويؤكد الدكتور الخليفي على أهمية البدء في برنامج بمؤسسة حمد الطبية لزراعة القلب، وهي جراحات بدأها في العالم الدكتور كريستيان برنارد في جنوب افريقيا بنهاية الستينيات من القرن الماضي(1968)، ومع تطور هذا النوع من الجراحات تصل نسبة النجاح حالياً لأكثر من 80% كما أن 70% من المرضى الذين يزرع لهم القلب يعيشون لفترات تصل إلى 5 سنوات بعد الزراعة، ومن أشهر مراكز زراعة القلب معهد القلب بتكساس،وسان فرنسيسكو بأمريكا، ومراكز أخرى في فرنسا وبرلين حيث يقوم كل مركز منها بزرع حوالي 50 قلبا سنويا، أما في منطقة الخليج العربي فقد أجريت زراعة القلب في بعض المستشفيات السعودية ويوضح أن 90% من الحالات التي تجري لها زراعة قلب تعاني هبوطاً في عضلة القلب مع توسع العضلة بشكل لايفيد معه استخدام الادوية، ويشترط ان يتم الحصول على القلب المستخدم للزراعة من جسد متوف دماغيا بحيث يكون القلب مستيقظا، وتحتاج الجراحة إلى فريق طبي كامل ومؤهل لإجراء عملية الزراعة.
مما سبق نجد أن هذه القضية يمكن تأصيلها بالشكل التالي :
1 – أن شريعة الإسلام قد كرمت جسد الإنسان حيا وميتا ، وحرمت الاعتداء عليه ، أو على أي عضو من أعضائه ، بأي لون من ألوان الاعتداء .

2 – أن بيع الإنسان لجزء من أجزاء جسده ، باطل ومحرم شرعا ولا يقبل ذلك إلا في أندر الصور ، التي يرى الأطباء الثقات ضرورتها لأن حياة مريض تتوقف على ذلك .

3 – أن تبرع الحي بجزء من أجزاء جسده ، جائز عند جمهور الفقهاء ولكن بشروط ولضرورات وفي الأعضاء غير المفردة .

4 – إن أخذ جزء من جسد الميت لإنقاذ حياة شخص آخر أو شفائه من مرض عضال ، جائز وفقاً للشروط التي تتمحور في ابقاء الإنسان مكرماً وموافقة أهل الميت أو تنفيذ وصية له قبل موته بالتبرع ، وبعد التأكد من حالة الموت من أهل الخبرة الفنية .
وبالمحصلة نجد أن :
أولاً :- إن الأصل في الأشياء الإباحة ( أفعالاً كانت أم اقوالاً أم تصرفات) مالم يرد تحريم لها بنص من كتاب الله أو سنة رسوله الكريم .
ثانياً :- في مسألة التبرع بالأعضاء لم يرد نص يحرمها ، وبالتالي تحمل على الإباحة بضوابط محكومة بالضرورة .
ثالثاً :- الجواز في تبرع الإنسان بجزء من جسمه أو جسم غيره ممن له حق التصرف عنهم ولاية أو وكالةً أو وصيةً ليس جوازاً مطلقاً وإنما تقيده شروط المنفعة ،
رابعاً :- جواز التبرع يجب ألا يكون مقابل ثمن يدفع له من قبل المستفيد من الجزء المتبرع به .
خامساً :- التبرع بالأعضاء من حيث طبيعته وحكمه لا يختلف عن التبرع بالدم .
سادساً :- تبرع الإنسان في حياته بجزء من جسمه بعد موته يعامل معاملة الوصية الواجبة التنفيذ من قبل الورثة .
سابعاً :- فيمن يتوفى فجأة بحادث عرضي ومفاجئ فهنا لا أرى حرمةً في قرار ذويه التبرع بجزء من جسمه لإنسان مضطر وتتوقف حياته على هذا الجزء وتكون الأفضلية للمسلم المحتاج .
ثامناً :- الميت المجهول الهوية لا يجوز بأي حال من الأحوال لأي كان التصرف بجسده .
وفي النهاية أقول إن هذه القضية وإن باتت في عرف الطب والأطباء مألوفة ، لكنها في نفوس الناس ما زالت تشكل هاجساً ، ومثار تساؤل وحيرة بين الحلة والحرمة وبين المعقول والمقبول نفسياً ، إذ يرى الكثير أنه ليس من المقبول أن برى المرء جزءً من جسمه أو جسم قريب له ينزع ليزرع في جسم إنسان آخر ، ولكن الواجب يحتم علينا بيان الحكم الشرعي أولاً وتوضيح مختلف الأبعاد لهذه القضية وعلى مختلف الصعد النفسية والإجتماعية ، ثانياً لجعلها قضية مقبولة لدى عامة الناس ، يتم التعامل معها بكل تفهم ووعي وتشجيع ، وهذا لن يكون إلا من خلال حملة مكثفة من التوعية والإرشاد والتثقيف الإجتماعي الشامل بمثل هذه القضايا التي باتت أمراً مفروضاً على أمتنا المنكوبة بالإحتلال وممارساته القمعية والإرهابية ، فكما تقبل واستوعب الناس مسألة أطفال الأنابيب وزراعة الأجنة وانتشرت بفضل حملات التوعية والإرشاد الطبي والشرعي وإخراجها من طور الرفض وإدخالها في دائرة المباح ، لا بد من العمل على قضية التبرع بالأعضاء بنفس الوتيرة والجهد  .

للكاتب : فاضل بشناق فلسطين

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : التبرع بالأعضاء | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “التبرع بأعضاء الإنسان حسمه الطب والشرع ولم يحسمه المجتمع”

  1. اختيار موفق عزيزي

    وفي السعودي أفتت اللجنة الدائمة بهذا الموضوع ومنهم من توقف

    بارك الله فيك

  2. ياهلا والله بأبو مشعل

    اشكرك على مرورك الدائم لمدونتي وتشجيعك المستمر بمشاركتكم لي

    موضوع التبرع بالأعضاء شائك جداً من جميع النواحي وبكوني منسق إداري لزراعة الأعضاء تواجهني العديد من الصعوبات مع ذوي المتوفين دماغياً بحكم طبيعة عملي كشخص يحاول إقناعهم بالتبرع بالأعضاء .

    أما الناحية الشرعية فلقد جمعت وجهات النظر لكل جانب وفي الحقيقة المسألة شائكة جداً ولكن قبل أسبوعين تقريباً أفتي الشيخ سلمان العودة بجواز التبرع وذلك لمسيس الحاجة إليها من قبل مرضى الفشل العضوي .

    نتمنى فعلاً أن يعي المجتمع بأن هذه الخدمة قد تساهم في إعادة الحياة الطبيعية لسبعة أشخاص هم بحاجة ماسة إلى عضو المتوفي دماغياً .

    تحياتي وتقديري لكم



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



 

 

Google
 

 

 

لا إِله إلا انت سبحانك ربى اني كنت من الظالمين - حسبى الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم - رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبياً ورسولاً- لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم - يارب لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك - اللهم صلى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين - سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر - حسبنا الله ونعم الوكيل -استغفرك اللهم وأتوب إليك لاحول ولاقوة إلا بك عليك توكلنا وإليك المصير